السيد عبد الله شبر

31

طب الأئمة ( ع )

فكر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا ، وما في ذلك من الحكمة والتقدير ، والصواب في التدبير : فالرأس خلق فردا ولم يكن للإنسان صلاح في أن يكون له أكثر من واحد ، ألا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر ، لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه ، لأنّ الحواس ، التي يحتاج إليها ، مجتمعة في رأس واحد ، ثم كان الإنسان ينقسم قسمين ، لو كان له رأسان ، فإن تكلم من أحدهما ، كان الآخر معطلا لا إرب فيه ، ولا حاجة إليه ، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد ، كان أحدهما فضلة لا يحتاج إليه ، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر ، لم يدر السامع بأيّ ذلك يأخذ وأشباه هذا من الاختلاط ، واليدان مما خلق أزواجا ، ولم يكن للإنسان خير في أن تكون له يد واحدة ، لأنّ ذلك يخلّ به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء . ألا ترى أن النجار والبنّاء ، لو شلّت إحدى يديه ، لا يستطيع أن يعالج بضاعته وإن تكلف ذلك ، لم يحكمه ، ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كان له يدان تتعاونان على العمل . في صوت الإنسان وكلامه وهيئته أطل الفكر يا مفضّل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الإنسان : فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت ، واللسان ، والشفتان ، والأسنان لصيانة الحروف والنغم ، ألا ترى أنّ من سقطت أسنانه لم يقم السين ، ومن سقطت شفتاه لم يصحح الفاء ، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء ، وأشبه شيء بذلك المزمار الأعظم ، فالحنجرة تشبه قصبة المزمار ، والرئة تشبه الزقّ الذي ينفخ فيه لتدخل الريح ، والعضلات التي تقبض على الرئة ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق ، حتى تجري الريح في المزمار ، والشفتان والأسنان التي تصوغ الصوت ، حروفا ونغما ، كالأصابع التي تختلف في ضم المزمار ، فتصوغ صفيره ألحانا ، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف ، فإنّ المزمار بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت .